فصل: الخبر عن انتقاض الطاغية وإجازة السلطان لغزوه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن انتقاض الطاغية وإجازة السلطان لغزوه

لما رجع السلطان من غزو تلمسان وافاه الخبر بأن الطاغية شانجة انتقض ونبذ العهد وتجاوز التخوم‏.‏وغار على الثغور فأوعز إلى قائد المسالح علي بن يوسف بن يزكاسن بالدخول إلى دار الحرب ومنازالة شريش‏.‏وشن الغارات على بلاد الطاغية فنهض لذلك في ربيع الاخر من سنة تسعين‏.‏وجاس خلالها وتوغل في أقطارها وأبلغ في النكاية‏.‏وفصل السلطان من تازى غازياً على أثره في جمادى واحتل قصر مصمودة واستنفر أهل المغرب وقبائله‏.‏ونفروا وشرع في إجازتهم البحر‏.‏وبعث الطاغية أساطيله إلى الزقاق حجزاً دون الإجازة فأوعز السلطان إلى قواد أساطيله بالسواحل وأغزاهم‏.‏التقت الأساطيل ببحر الزقاق في شعبان فاقتتلوا وانكشف المسلمون ومحصهم الله‏.‏ثم أغزاهم ثانية وخامت أساطيل العدو عن اللقاء وصاعدوا عن الزقاق‏.‏وملكته أساطيل السلطان فأجاز أخريات رمضان واحتل بطريف‏.‏ثم دخل دار الحرب غازياً فنازل حصن بجير ثلاثة أشهر وضيق عليهم‏.‏وبث السرايا في أرض العدو وردد الغارات على شريش وإشبيلية ونواحيهما إلى أن أبلغ في النكاية والإثخان وقضى من الجهاد وطراً‏.‏وزاحمه فصل الشتاء وانقطاع الميرة عن المعسكر فأفرج عن الحصن ورجع إلى الجزيرة‏.‏ثم أجاز إلى المغرب فاتح إحدى وتسعين فتظاهر ابن الأحمر والطاغية على منعه الإجازة كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏والله أعلم‏.‏

  الخبر عن انتقاض ابن الأحمر ومظاهرته الطاغية على طريف أعادها الله

ولما قفل السلطان من غزاته فاتح إحدى وتسعين كما ذكرناه وقد أبلغ في نكاية العدو وأثخن في بلاده فأهم الطاغية أمره وثقلت عليه وطأته والتمس الوليجة من دونه‏.‏وحذر ابن الأحمر غائلته ورأى أن مغبة حاله الاستيلاء على الأندلس وغلبه على أمره ففاوض الطاغية وخلصوا نجياً‏.‏وتحدثوا أن استمكانه من الإجازة إليهم إنما هو بقرب مسافة بحر الزقاق وانتظام ثغور المسلمين حفافيه بتصرف شوانيهم وسفنهم متى أرادوا فضلا عن الأساطيل‏.‏وإن أم تلك الثغور طريف وانهم إذا استمكنوا منها كانت ربيئة لهم على بحر الزقاق‏.‏وكان أسطولهم من مرقاها بمرصد لأساطيل صاحب المغرب الخائضين لجة ذلك البحر فاعتزم الطاغية على منازلة طريف‏.‏وزعم له ابن الأحمر بمظاهرته على ذلك وشرط له المدد والميرة لأقوات العسكر أيام منازلتها على أن تكون له إن حصلت‏.‏وتعاونوا على ذلك وأناخ الطاغية بعساكر النصرانية على طريف‏.‏وألح عليها بالقتال ونصب الآلات وانقطع عنها الملا والميرة‏.‏واحتلت أساطيله ببحر الزقاق فحالت دون الصريخ من السلطان وإخوانهم المسلمين‏.‏وضرب ابن الأحمر معسكره بمالقة قريباً منه وسرب إليه المدد من السلاح والرجال والميرة من الأقوات وبعث عسكراً لمنازلة أصطبونة وتغلب عليه بعد مدة من الحصار‏.‏واتصلت هذه الحال أربعة أشهر حتى أصاب أهل طريف الجهد ونال منهم الحصار فراسلوا الطاغية في الصلح والنزول عن البلد فصالحهم واستنزلهم سنة إحدى وتسعين‏.‏ووفى لهم بعهده‏.‏واستشرف ابن الأحمر إلى تجافي الطاغية عنها كما عهدا عليه فأعرض عن ذلك واستأثر بها بعد أن كان نزل له عن ستة من الحصون عوضاً منها ففسد ذات بينهما‏.‏ورجع ابن الأحمر إلى تمسكه بالسلطان واستغاثته به لأهل ملته على الطاغية‏.‏وأوفد ابن عمه الرئيس أبا سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف ووزيره أبا سلطان عزيز الداني في وفد من أهل حضرته لتجديد العهد وتأكيد المودة وتقرير المعذرة من شأن طريف‏.‏فوافوه مكانه من منازلة تازوطا كما نذكر بعد فأبرموا العقد وأحكموا الصلح‏.‏وانصرفوا إلى ابن الأحمر سنة اثنتين وتسعين بإسعاف غرضه من المؤاخاة واتصال اليد‏.‏وهلك خلال ذلك قائد المسالح بالأندلس علي بن يزكاسن في ربيع سنة اثنتين وتسعين‏.‏وعقد السلطان لابنه وولي عهده الأمير أبي عامر على ثغور الأندلس التي في طاعته وعهد له بالنظر في مصالحها‏.‏وأنفذه إلى المجاز بعسكره فواناه هنالك السلطان ابن الأحمر كما نذكر إن شاء الله

  الخبر عن وفادة ابن الأحمر على السلطان والتقائهما بطنجة

لما رجعت الرسل إلى ابن الأحمر وقد كرمت وفادتهم وقضيت حاجاتهم وأحكمت في المؤاخاة مقاصدهم وقع ذلك من ابن الأحمر أجمل موقع وطار سروراً من أعواده‏.‏وأجمع الرحلة إلى السلطان لاستحكام العقد والاستبلاغ في العذر عن واقعة طريف وشأنها واستعدادهم لإغاثة المسلمين ونصرهم من عدوهم‏.‏فاعتزم على ذلك وأجاز البحر ذا القعدة سنة اثنتين وتسعين واحتل بنيونش من ساحة سبتة‏.‏ثم ارتحل إلى طنجة وقدم بين يدي نجواه هدية سنية أتحف بها السلطان كان من أحفلها وأحسنها موقعاً لديه فيما زعموا المصحف الكبير أحد مصاحل عثمان بن عفان الأربعة المنبثقة إلى الآفاق المختص هذا منها بالمغرب كما نقله السلف‏.‏كان بنو أمية يتوارثونه بقرطبة فتلقاه الأمير أبو عامر هنالك وأخوه الأمير أبو عبد الرحمن ابنا السلطان واحتفلا في مبرته‏.‏ثم جاء السلطان على أثرهما من حضرته لتلقيه وبرور مقدمه ووافاه بطنجة وأبلغ في تكرمته وبر وفادته بما يكرم به مثله‏.‏وبسط ابن الأحمر العذر عن شأن طريف فتجافى السلطان عن العذل‏.‏وأعرض عنه وقبل منه وبر واحتفى ووصل وأجزل ونزله له ابن الأحمر عن الجزيرة ورندة والغربية وعشرين حصناً من ثغور الأندلس كانت من قبل لطاعة صاحب المغرب ونزل عساكره‏.‏وعاد ابن الأحمر إلى الأندلس خاتم اثنتين وتسعين محبواً محبوراً‏.‏وأجازت عساكر السلطان معه لحصار طريف‏.‏وعقد على حربها ومنازلتها لوزيره الطائر الذكر عمر بن السعود بن خرباش الجشمي فنازلها مدة وامتنعت فأفرج عنها‏.‏وصرف السلطان همه إلى غزو تلمسان وحصارها كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن انتزاء ابن الوزير الوطاسي بحصن تازوطا من جهة الريف

واستنزال السلطان إياه كان بنو الوزير هؤلاء رؤساء بني وطاس من قبائل بني مرين ويرون أن نسبهم دخيل في بني مرين‏.‏وأنهم من أعقاب علي بن يوسف بن تاشفين لحقوا بالبدو ونزلوا على بني وطاس ورسخت فيهم عروقهم حتى لبسوا جلدتهم‏.‏ولم يزل السرو متربعا بين أعينهم لذلك والرياسة شامخة بأنوفهم‏.‏وكانوا يرومون الفتك بالأمراء من أولاد عبد الحق فلم يطيقوه‏.‏ولما احتل السعيد بتازى غازياً إلى تلمسان كما ذكرناه ولحق ببلدهم الأمير أبو يحيى بن عبد الحق ائتمروا في الفتك به‏.‏ونذر بشأنهم فارتحل ففر إلى غبولة وعين الصفا من بلاد بني يزناسن‏.‏وهنالك بلغه خبر مهلك السعيد‏.‏وكانت بلاد الريف لبني وطاس من لدن دخول بني مرين المغرب واقتسامهم لأعماله فكانت ضواحيها لنزلهم وأمصارهما ورعاياها لجبايتهم‏.‏وكان حصن تاوزطا بها من أمنع معاقل المغرب وكان الملوك من أولاد عبد الحق يعتنون بشأنه وينزلون به من أوليائهم من يثقون بغنائه واضطلاعه ليكون آخذاً بناصية من هؤلاء الرهط وشجاً في صدورهم عما يسمون إليه‏.‏وكان السلطان قد عقد عليه لمنصور ابن أخيه الأمير أبي مالك بعد مهلك أبيه أمير المسلمين يعقوب بن عبد الحق‏.‏وكان عمر بن يحيى بن الوزير وأخوه عامر رئيسين على بني وطاس لذلك العهد فاستوهنوا أمر السلطان بعد مهلك أبيه‏.‏وحدثوا أنفسهم بالانتزاء بتازوطا والاستبداد بتلك الناحية فوثب عمر منهم بمنصور ابن أخي السلطان شهر شوال من سنة إحدى وتسعين‏.‏وفتك برجاله وذويه وأزعجه عنه وغلبه على مال الجباية الذي كان بقصره فاستصفاه واستأثر به‏.‏واستبد وشحن الحصن برجاله وحاشيته ووجوه قومه‏.‏ووصل منصور إلى السلطان وهلك لليال من منجاته أسفاً لما أصابه‏.‏وسرح السلطان وزيره الطائر الذكر عمر بن السعود بن خرباش بالعساكر لمنازلته فأناخ عليه‏.‏ثم نهض السلطان على أثره ووافاه وضرب معسكره بساحته‏.‏وخالف عامر أخاه عمر إلى السلطان بقومه حذراً من مغبة الأمر وأشفق عمر لشدة الحصار ويئس من الخلاص وظن أن قد أحيط به‏.‏ودس إلى أخيه عامر فأذن السلطان في مداخلته في النزول عن الحصن فاذن له‏.‏واحتمل ذخيرته وفر إلى تلمسان‏.‏وبدا لعامر في رأيه عندما خلص إلى الحصن وخلا له من عمر أخيه الجو‏.‏وحذر غائلة السلطان وخشي أن يثأر منه بأخيه فامتنع بالحصن‏.‏ثم ندم وسقط في يده‏.‏وفي خلال ذلك كان وصول وفد الأندلس وأرسوا أساطيلهم بمرقى غساسة‏.‏فبعث إليهم عامر أن يشفعوا له عند السلطان لوجاهتهم لديه فتقبلت شفاعتهم على شريطة إجازته إلى الأندلس‏.‏وكره ذلك وقدم بين يديه بعض حاشيته إلى الأسطول مكراً بهم‏.‏وخاض الليل إلى تلمسان فتقبض السلطان على ولده وقتل‏.‏وأسلم أهل الأسطول من كان من حاشيته لديهم وتجافوا عن إجازتهم على السلطان لما مكر بهم عامر‏.‏فاستلحموا مع من كان بالحصن من أتباعهم وقرابتهم وذويهم‏.‏وتملك السلطان حصن تازوطا وأنزل به عماله ومسلحته وقفل إلى حضرته بفاس آخر جمادى من سنة اثنتين وتسعين‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

  الخبر عن نزوع أبي عامر ابن السلطان إلى بلد الريف وجبال غمارة

كان الأمير أبو عامر بعد إجازة ابن الأحمر إلى السلطان أبيه ورضاه عنه وتأكيد مؤاخاته وإغزاء وزيره عمر بن السعود لمنازلة طريف واستنزاله أولاد الوزير المنتزين بحصن تازوط رجع من قصر مصمودة إلى بلاد الريف بإيعاز أبيه إليه بذلك لتسكين أحوالها‏.‏وكان أولاد الأمير أبي يحيى بن عبد الحق قد نزعوا إلى تلمسان لسعاية فيهم وقرت في صدر السلطان فأقاموا بها أياماً‏.‏ثم استعطفوا السلطان واسترضوه فرضي وأذن لهم في الرجوع إلى محلهم من قومهم ودولتهم‏.‏وبلغ الخبرالأمير أبا عامر وهو بمعسكره من الريف فأجمع على اغتيالهم في طريقهم يظن أنه يرضي بذلك أباه‏.‏واعترضهم بوادي القطف من بلاد ملوية سنة خمس وتسعين فاستلحمهم‏.‏وانتهى

  الخبر إلى السلطان فقام في ركائبه وقعد وتبرأ إلى الله من إخفار ذمته

ومن صينع إبنه‏.‏وسخطه وأقصاه فذهب مغاضباً ولحق ببلاد الريف‏.‏ثم صعد إلى جبال غمارة فلم يزل طريداً بينهم‏.‏ونازلته عساكر أبيه لنظر ميمون بن ودران الجشمي ثم لنظر زيكن بن المولاة تاميمونت‏.‏وأوقع بهم مراراً آخرها بيرزيكن سنة تسع وتسعين‏.‏وذكر الزليخي مؤرخ دولتهم أن خروجه بجبل غمارة كان سنة أربع وتسعين وقتله لأولاد الأمير أبي يحيى كان سنة خمس وتسعين بعدها أغرا بهم من مثوى انتزائه وقتلهم كما ذكرناه والله أعلم‏.‏ولم يزل هذا دأبه إلى أن هلك ببني سعيد من جبال غمارة سنة ثمان وتسعين ونقل شلوه إلى فاس فووري بباب الفتوح بملجد قومهم هنالك‏.‏وأعقب ولدين كفلهما السلطان جدهما فكانا الخليفتين من بعده على ما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏والله أعلم‏.‏كان عثمان بن يغمراسن بعد إفراج السلطان عنه سنة تسع وثمانين وانتقاض الطاغية وابن الأحمر عليه كما قلناه صرف إلى ولايتهما وجه تدبيره‏.‏وأوفد على الطاغية ابن بريدي من صنائع دولته سنة اثنتين وتسعين ورجعه الطاغية مع الريك ريكسن رسول من كبار قومه‏.‏ثم أعاد إليه الحاج المسعود من حاشيته ووصل يده بيده يظن ذلك دافعاً عنه‏.‏واعتدها السلطان عليه وطوى له على النث‏.‏حتى إذا فرغ من شأن الأندلس وهلك الطاغية شانجة سنة ثلاث وتسعين لإحدى عشرة من سني ملكه‏.‏وارتحل السلطان إلى طنجة لمشارفة أحوال الأندلس سنة أربع وتسعين فأجاز إليه السلطان ابن الأحمر ولقيه بطنجة وأحكم معه المؤاخاة‏.‏ولما استيقن سكون أحوالها نزل لابن الأحمر عن جميع الثغور التي بها لطاعته وأجمع غزو تلمسان‏.‏ولحق به بين يحيى ذلك ثابت بن منديل المغراوي صريخاً على ابن يغمراسن ومستجيشاً بقومه فتقبله وأجاره‏.‏وكان أصاب الناس أعوام اثنتين وتسعين وما بعدها قحط ونالتهم سنة وهنوا لها‏.‏ثم إن الله رحم خلقه وأدر نعمته وأعاد الناس إلى ما عهدوه من سبوغ نعمهم وخصب عيشهم‏.‏ووفد عليه سنة أربع وتسعين ثابت بن منديل أمير مغراوة مستصرخاً به من عثمان بن يغمراسن فبعث من كبار قومه موسى بن أبي حمو إلى تلمسان شفيعاً لثابت بن منديل فرده عثمان أقبح رد وأساء في إجابته فعاود الرسالة إليه في شأنه فلم تزدهم إلا ضرراً فاعتزم على غزو بلادهم واستعد لذلك‏.‏ونهض سنة أربع وتسعين حتى انتهى إلى بلاد تاوريرت وكان تخماً لعمل بني مرين وبني عبد الواد في جانبها عامل السلطان أبي يعقوب وفي جانبها الآخر عامل عثمان بن يغمراسن‏.‏فطرد السلطان عامل يغمراسن وتميز بها‏.‏واختط الحصن الذي هنالك لهذا العهد‏.‏تولاه بنفسه يغادي الفعلة ويراوحهم‏.‏وأكمل بناءه في شهر رمضان من سنته واتخذه ثغراً لملكه‏.‏وأنزل بني عسكر لحياطته وسد فروجه‏.‏وعقد عليه لأخيه أبي يحيى بن يعقوب وانكفأ راجعاً إلى الحضرة‏.‏ثم خرج من فاس سنة خمس وتسعين غازياً إلى تلمسان‏.‏ومر بوجدة فهدم أسوارها وتغلب على مسيفة والزعارة‏.‏وانتهى إلى ندرومة ونازلها أربعين يوماً ورماها بالمجانيق‏.‏وضيق عليها فامتنعت عليه فأفرج عنها ثاني الفطر‏.‏ثم غزا تلمسان سنة ست وتسعين وبرز لمدافعته عثمان بن يغمراسن فهزمه وأحجزه بتلمسان ونزل بساحته وقتل خلقاً من أهلها ونازلها أياماً ثم أقلع عنها وقفل إلى المغرب وقضى منسك الأضحى من سنته بتازى‏.‏فأعرس هنالك بحافدة ثابت بن منديل كان أصهر فيها إلى جدها قبل مهلكه سنة ست وتسعين قتيلا ببحيره الزيتون من ظاهر فاس‏.‏قتله بعض بني ورتاجن في دم كان لهم في قومه فثار السلطان به من قاتله وأعرس بحافدته‏.‏وأوعز ببناء القصر بتازى وقفل إلى فاس فاتح سبع وتسعين‏.‏ثم ارتحل إلى مكناسة وانكفأ إلى فاس‏.‏ثم نهض في جمادى غازياً تلمسان‏.‏ومر بوجدة فأوعز ببنائها وتحصين أسوارها واتخذ فيها قصبة وداراً لسكناه ومسجداً وأغزى إلى تلمسان‏.‏ونزل بساحتها وأحاطت عساكره إحاطة الهالة بها ونصب عليها القوس البعيدة النزع العظيمة الهيكل المسماة قوس الزيار ازدلف إليه الصناع والمهندسون بعملها وكانت توقر على أحد عشر بغلاً‏.‏ثم لما امتنعت عليه تلمسان أفرج عنها فاتح سنة ثمان‏.‏ومر بوجدة فأنزل بها الكتائب من بني عسكر لنظر أخيه أبي يحيى بن يعقوب كما كانوا بتاوريرت‏.‏وأوعز إليهم فتردد الغارات على أعمال ابن يغمراسن وإفساد سابلتها‏.‏وضاقت أحوالهم ويئسوا من صريخ صاحبهم فأوفدوا على الأمير أبي يحيى وفداً منهم يسألون الأمان لمن وراءهم من قومهم على أن يمكنوه من قياد بلدهم ويدينوا بطاعة السلطان فبذل لهم من ذلك ما أرضاهم ودخل البلد بعسكره‏.‏واتبعهم أهل تاوونت‏.‏وأوفد مشيختهم جميعاً على السلطان آخر جمادى فقدموا عليه بحضرته‏.‏وأدوا طاعتهم فقبلها‏.‏ورغبوا إليه في الحركة إلى بلادهم ليريحهم من ملكة عدوهم ابن يغمراسن‏.‏ووصفوا من عسفه وجوره وضعفه عن الحماية ما استنهض السلطان لذلك على ما نذكر إن الخبر عن الحصار الكبير لتلمسان وما تخلل ذلك من الأحداث لما توفرت عزائم السلطان على النهوض إلى تلمسان ومطاولة حصارها إلى أن يظفر بها وبقومها واستيقن انه لا مدافع له عن ذلك فنهض من فاس في شهر رجب سنة ثمان وتسعين بعد أن استكمل حشده‏.‏ونادى في قومه واعترض عساكره وأجزل أعطياتهم وأزاح عللهم‏.‏وارتحل في التعبية واحتل بساحه تلمسان ثاني شعبان وأناخ عليها وضرب معسكره بفنائها‏.‏وأحجز عثمان بن يغمراسن وحاميتها من قومه وأدار الأسوار سياجاً على عمرانها كله ومن ورائها نطاق الحفير البعيد المهوى‏.‏ورتب المسالح على أبوابها وفرجها‏.‏وسرح عساكره إلى هنين فافتتحها وأتوا طاعتهم وأوفدوا مشيختهم وسط شعبان‏.‏ثم سرح عساكره لمحاصرة وهران وتقري البسائط ومنازلة الأمصار فأخذت مازونة في جمادى الآخرة من سنة تسع وتسعين‏.‏ونهض في شعبان بعده فافتتح تاللوت والقصبات وتامززدكت في رمضان منه‏.‏وفيه كان فتح مدينة وهران‏.‏وسارت عساكره في الجهات إلى أن بلغت بجاية كما نذكره‏.‏وأخذ الرعب بقلوب الأمم بالنواحي وتغلب على ضواحي مغراوة وتوجين وسارت فيها عساكره ودوختها كتائبه واقتحمت أمصارها راياته مثل مليانة ومستغانم وشرشال والبطحاء ووانشريش والمدية وتافركينت‏.‏وأطاعه زيري المنتزي ببرشك وأتى بيعته‏.‏وابن علان المنبري بالجزائر وأتى بيعته‏.‏وأزعج الناكبين منهم عن طاعته‏.‏واستألف أهل الصاغية كما نذكره‏.‏وحذره الموحدون من ورائهم بإفريقية ملوك بجاية وملوك تونس فمدوا إليه يد المواصلة ولاطفوه بالمتاحفة والمهاداة وخاطب صاحب الديار المصرية ملك الترك وهاداه وراجعه كما نذكره‏.‏ووفد عليه شرفاء مكة بنو أبي نمي كما نذكر‏.‏وهو في خلال ذلك مستجمع لمطاولة الحصار والتضييق متجاف عن القتال إلا في بعض الأيام لم تبلغ زعموا أربعة أو خمسة ينزل شديد العقاب والسطو بمن يميرها ويأخذ بالمراصد على من يتسلل بالأقوات إليها‏.‏قد جعل سرادق الأسوار المحيطة ملاكاً لأمره في ذلك فلا يخلص إليهم الطيف ولا يكاد يصل إليهم العيث مدة مقامه عليها إلى أن هلك بعد ماية شهر كما نذكره‏.‏واختط بمكان فساطيط المعسكر قصراً لسكناه واتخذ فيه مسجداً لمصلاه‏.‏وأدار عليها السور وأمر الناس بالبناء فابتنوا الدور الواسعة والمنازل الرحيبة والقصور الأنيقة واتخذوا البساتين وأجروا المياه‏.‏ثم أمر بإدارة السور سياجاً على ذلك سنة اثنتين وسبعماية وصيرها مصراً فكانت من أعظم الأمصار والمدن وأحفلها اتساع خطة وكثرة عمران ونفاق أسواق واحتفال بناء وتشييد منعة‏.‏وأمر باتخاذ الحمامات والخانات والمارستان وابتنى بها مسجداً جامعاً‏.‏وشيد له مأذنة رفيعة فكان من أحفل مساجد الأمصار وأعظمها وسماها المنصورة واستبحرت عمارتها وهالت أسواقها‏.‏ورحل إليها التجار بالبضائع من الآفاق فكانت أحد مدائن المغرب‏.‏وخربها آل يغمراسن عند مهلكه وارتحال كتائبه عنها بعد أن كان بنو عبد الواد أشرفوا على الهلاك وأذنوا بالانقراض كما نذكره فتداركهم من لطف الله ما شأنه أن يتدارك المتورطين في الهلاك والله غالب على أمره‏.‏

  الخبر عن افتتاح بلاد مغراوة وما تخلل ذلك من الأحداث

لما أناخ السلطان عن تلمسان وتغلب على ضواحي بني عبد الواد وافتتح أمصارهم سما إلى التغلب على ممالك مغراوة وبني توجين‏.‏وكان ثابت بن منديل قد وفد على السلطان بمقر ملكه من فاس سنة أربع وتسعين وأصهر إليه في حافدته فعقد له عليها‏.‏وهلك ثابت بمكان وفادته من دولتهم وأعرس السلطان بحافدته سنة ست وتسعين كما ذكرنا ذلك كله من قبل فلما تغلب السلطان على أعمال بني عبد الواد جهز عساكره إلى بلاد مغراوة وعقد عليها لعلي بن محمد الخيري من عظماء بني ورتاجن فتغلبوا على الضواحي وشردوا مغراوة إلى رؤوس المعاقل‏.‏واعتصم راشد بن محمد بن ثابت بن منديل صهر السلطان بمليانة فنازلوه بها‏.‏ثم استنزلوه على الأمان سنة تسع وتسعين وأوفدوه على السلطان فلقاه مبرة وتكرمة وخلطه بجملته المكان صهره معه‏.‏ثم افتتحوا مدينة تنس ومازونة وشرشال‏.‏وأعطى زيري بن حماد المنتزي على برشك من بلادهم يد الطاعة‏.‏وأوفد على السلطان للبيعة واستولوا على ضواحي شلف كلها‏.‏ولاذت مغراوة بطاعة السلطان‏.‏وعقد عليهم وعلى جميع بلادهم لعمر بن ويغرن بن منديل فأسف لذلك راشد بن محمد لما كان يراه لنفسه من الاختصاص‏.‏ولما كانت أخته حظية السلطان وكريمته ونافس عمر بن ويغرن في إمارة قومه فلحق بجبال متيجة وأجلب على من هنالك من عمال السلطان وعساكره‏.‏وانحاش إليه مرضى القلوب من قومه فاعصوصبوا عليه‏.‏وداخل أهل مازونة فانتقضوا على السلطان وملكوه أمرهم في شهر ربيع من الماية السابعة‏.‏ثم بيت عمر بن ويغرن بمعسكره من وازمور فقتله واستباح المعسكر‏.‏وبلغ الخبرإلى السلطان فسرح العساكر من بني مرين‏.‏وعقد لعلي بن الحسن بن أبي الطلاق على قومه من بني عسكر ولعلي بن محمد الخيري على قومه من بني ورتاجن وجعل الأمر شورى بينهما وأشرك معهما علياً الحساني من صنائع دولته وأبا بكر بن إبراهيم بن عبد القوي من أعياص بني توجين‏.‏وعقد على مغراوة لمحمد بن عمر بن منديل وأشركه معهم وزحفوا إلى راشد‏.‏ولما أحس بالعساكر لجأ إلى معقل بني بو سعيد فيمن معه من شيعته مغراوة‏.‏وأنزل بمازونة علياً وحمو ابني عمه يحيى بن ثابت واستوصاهم بضبط البلد وأنه مشرف عليهم من الجبل‏.‏وجاءت عساكر السلطان إلى بلاد مغراوة فتغلبوا على البسائط وأناخوا بمازونة وضربوا معسكرهم بساحتها وأخذوا بمخنقها واهتبل علي وقومه غرة في معسكر بني مرين فبيتهم سنة إحدى وسبعماية‏.‏وانفض المعسكر وتقبض على علي بن محمد الخيري ثم امتنعوا عليه وعاد المعسكر إلى مكانه من حصارهم‏.‏وجهدهم حالهم فنزل إليهم حمو بن يحيى على حكم السلطان‏.‏وأنفذوه إليه فتقبض عليه‏.‏ثم نزل علي ثانية من غير عهد فأشخصوه إلى السلطان ولقاه مبرة وتكريماً تأنيسا لراشد المنتزي بمعقله‏.‏واقتحمت مازونة على أهلها عنوة سنة ثلاث فمات منهم عالم واحتملت رؤوسهم إلى سدة السلطان فرميت في حفائر البلد المحصور إرهاباً لهم وتخذيلاً‏.‏ولما عقد السلطان لأخيه أبي يحيى على بلاد الشرق وسرحه لتدويخ التخوم نازل راشداً بمعقله من بني بوسعيد‏.‏فبيت راشد معسكرهم إحدى لياليه فانفضوا وقتل طائفة من بني مرين‏.‏ووجد لها السلطان فأمر بقتل علي وحمو ابني عمه يحيى ومن كان معتقلا معهما من قومهم‏.‏رفعوهم على الجذوع وأثبتوهم بالسهام‏.‏ونزل راشد بعدها عن معقله ولحق بمتيجة وانحاش إليه عمه منيف بن ثابت وأوشاب من مغراوة‏.‏وتحيز الآخرون إلى أميرهم محمد بن عمر بن منديل الذي عقد له السلطان عليهم‏.‏ثم تأشبت على راشد ومنيف خوارج الثعالبة ومليكش وصمد إليهم الأمير أبو يحيى في عساكره ثانية ونازلهم بمعاقلهم ورغبوا في السلم فبذله السلطان لهم‏.‏وأجاز منيف بن ثابت إلى الأندلس فيمن إليه من بنيه وعشيره فاستقروا بها آخر الأيام‏.‏ولحق راشد ببلاد الموحدين‏.‏ووفد محمد بن عمر بن منديل سنة خمس على السلطان فأوسعه حباً وتكريماً‏.‏وتمهدت بلاد مغراوة واستبد بملكها السلطان وصرف إليها العمال ولم يزل كذلك إلى أن هلك سنة ست‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

  الخبر عن افتتاح بلاد بني توجين وما تخلل ذلك

لما نازل يوسف بن يعقوب تلمسان وأحاط بها وتغلب على بلاد بني عبد الواد سما إلى تملك بلاد بني توجين‏.‏وكان عثمان بن يغمراسن قد غلبهم على مواطنهم وملك جبل وانشريش وتصرف في بلاد عبد القوي بالولاية والعزل وأخذ الأتاوة سنة إحدى وسبعماية‏.‏وأوعز إليه السلطان ببناء البطحاء التي هدمها محمد بن عبد القوي فبناها وتوغل في قاصية الشرق ثم انكفأ راجعاً إلى حضرة أخيه وعطف على بلاد بني توجين سنة اثنتين وفر بنو عبد القوي إلى ضواحيهم بالقفر ودخل جبل وانشريش وهدم حصونهم به ورجع إلى الحضرة‏.‏ثم بادره أهل تافركنيت سنة ثلاث بإتيان الطاعة ونقضوا بعدها‏.‏ثم بعث أهل المدية بطاعتهم للسلطان فتقبلها وأوعز ببناء قصبتها‏.‏وراجع بنو عبد القوي بعد ذلك بصائرهم في طاعة السلطان ووفدوا عليه بمكانه من المنصورة مدينته المحيطة على تلمسان سنة ثلاث فتقبل طاعتهم وراعى سابقتهم وأعادهم إلى بلادهم وأقطعهم وولى عليهم علي بن الناصر بن عبد القوي‏.‏وأوعز ببناء قصبة المدية سنة أربع وكملت سنة خمس‏.‏وهلك علي بن الناصر خلال ذلك فعقد عليهم لمحمد بن عطية الأصم كما ذكرناه قاستمر على الطاعة‏.‏ثم انتقض سنة ست وحمل قومه على الخلاف وانتبذوا عن الوطن إلى أن هلك يوسف بن يعقوب كما ذكرناه والله تعالى أعلم‏.‏

  الخبر عن مراسلة الموحدين ملوك إفريقية بتونس وبجاية وأحواله معهم

كان لبني أبي حفص ملوك إفريقية مع زناتة هؤلاء أهل المغرب من بني مرين وبني عبد الواد سوابق مذكورة فكانت لهم على يغمراسن وبنيه طاعة معروفة يودون بيعتها ويخطبون على منابرهم بدعوتها مذ تغلب الأمير أبي زكرياء يحيى بن عبد الواحد على تلمسان وعقد عليها ليغمراسن واستمر حالهم على ذلك‏.‏وكانت لهم أيضاً مع بني مرين ولاية سابقة بما كان بنو مرين مذ أول أمرهم يخاطبون الأمير أبا زكرياء ويبعثون له ببيعة البلاد التي تغلبوا عليها مثل مكناسة والقصر ومراكش آخرا‏.‏ثم صارت خالصة من لدن عهد المستنصر ويعقوب بن عبد الحق‏.‏وكانوا يتحفونهم بالمال والهدايا في سبيل المدد على صاحب مراكش وقد ذكرنا السفارة التي وقعت بينهما سنة خمس وستين وإن يعقوب أوفد عامر بن إدريس وعبد الله بن كندوز ومحمد الكناني وأوفد عليه المستنصر سنة سبع بعدها كبير الموحدين يحيى بن صالح الهنتاتي في وفد من مشيخة الموحدين ومعهم هدية سنية‏.‏ثم أوفد الواثق ابنه سنة سبع وسبعين قاضي بجاية المذكور أبا العباس أحمد الغماري وأسنى الهدية معه‏.‏ولم يزل الشأن بينهم هذا إلى أن افترق أمر آل أبي حفص‏.‏وصار الأمير أبو زكرياء ابن الأمير أبي إسحاق بن يحيى بن عبد الواحد من عشه بتلمسان في وكر عثمان بن يغمراسن‏.‏وأسف إلى بجاية فاستولى عليها سنة ثلاث وثمانين‏.‏واستضاف إليها قسنطينة وبونة وصيرها عملاً لملكه ونصب بها كرسياً لأمره‏.‏وأسف عثمان بن يغمراسن لفراره من بلده لما كان عليه من التمسك بدعوة عمه أبي حفص صاحب تونس فشق ذلك عليه ونكره واستمرت الحال على ذلك‏.‏ولما أخذ السلطان يوسف بن يعقوب بمخنق تلمسان وأوسع قواعد ملكه بساحتها وسرح عساكره لالتهام الأمصار والجهات توجس الموحدون الخيفة منه على أوطانهم‏.‏وكان الأمير أبو زكرياء في جهات تدلس محامياً عن حوزته وعمله‏.‏ووصله هنالك راشد بن محمد نازعاً عن السلطان أبي يعقوب‏.‏ثم طلعت العساكر على تلك الجهات في أتباعه فزحف إليه عسكر الموحدين سنة تسع وتسعين بناحية جبل الزاب ففضوا جمعه‏.‏وأوقعوا به واستلحموا جنوده واستبحر القتل فيهم وبقيت ورجع الأمير أبو زكرياء إلى بجاية فانحصر بها‏.‏وهلك تفيئة ذلك على رأس الماية السابعة‏.‏وقارن ذلك مغاضبة بينه وبين أمير الدواودة لعهده ضمان بن سباع بن يحيى بن دريد بن مسعود البلط فوفد على السلطان أخريات إحدى وسبعماية‏.‏ورغبه في ملك بجاية واستغذه للسير إليها فأوعز إلى أخيه الأمير أبي يحيى بمكانه من منازلة مغراوة ومليكش والثعالبة بأن ينهض إلى عمل الموحدين‏.‏وسار عثمان بن سباع وقومه بين يدي العساكر يتقصون الطريق إلى أن تجاوز الأمير أبو يحيى بعساكره بجاية‏.‏واحتل بتاكرارت من أوطان سدويكش من أعمال بجاية‏.‏وأطل على بلاد سدوبكش وانكفأ راجعاً فأوطأ عساكره بساحة بجاية وبها الأمير خالد بن يحيى‏.‏وناشبهم القتال ببعض أيام جلا فيها أولياء السلطان أبي البقاء عن أنفسهم وسلطانهم‏.‏وأمر بروض السلطان المسمى بالبديع فخربه وكان من أنيق الرياض وأحفلها‏.‏وقفل إلى مكانه من تدويخ البلاد‏.‏وأعرض عن أعمال الموحدين‏.‏وكان صاحب تونس لذلك العهد محمد المستنصر الملقب بأبي عصيدة بن يحيى الواثق فأوفد على السلطان شيخ الموحدين بدولته محمد بن أكمازير في أسباب الولاية ومحكماً مذاهب الوصلة ومقرراً سوابق السلف فوفد في مشيخة من قومه لشعبان سنة ثلاث‏.‏وناغاه الأمير أبو البقاء خالد صاحب بجاية فأوفد مشيغة من أهل دولته كذلك‏.‏وبر السلطان وفادتهم وأحسن منقلبهم‏.‏ثم عاد ابن أكمازير سنة أربع وسبعماية ومعه شيخ الموحدين وصاحب السلطان أبو عبد الله بن يرزيكن في وفد من عظماء الموحدين‏.‏وأوفد صاحب بجاية حاجبه أبا محمد الرخامي وشيخ الموحدين بدولته عياد بن سعيد بن عثيمن‏.‏ووفدوا جميعاً على السلطان ثالث جمادى فأحسن السلطان في تكرمتهم ما شاء وأوصلهم إلى نفسه بمساكن داره وأراهم أبهة ملكه وأطافهم قصوره ورياضه بعد أن فرشت ونمقت فملأ قلوبهم جلالا وعظمة‏.‏ثم بعثهم إلى المغرب ليطوفوا على قصور الملك بفاس ومراكش وشاهدوا آثار سلفهم وأوعز إلى عمال المغرب بالاستبلاع في تكرمتهم وإتحافهم‏.‏فانتهوا من ذلك إلى الغاية وانقلبوا إلى حضرته آخر جمادى وانصرفوا إلى ملوكهم بالحديث عن شأن رسالتهم وكرامة وفدهم‏.‏ثم أعاد ملوكهم مراسلة السلطان سنة خمس بعدها فوفد أبو عبد الله بن أكمازير من تونس وعياد بن سعيد بن عثيمن من بجاية‏.‏وأوفد السلطان على صاحب تونس مع رسوله صاحب الفتيا بحضرته الفقيه أبا الحسن التنسي وعلي بن يحيى البرشكي رسولين يسألانه المدد بأسطوله فقضوا رسالتهم سنة خمس ووصل بخبرها أبو عبد الله المزعوري من مشيخة الموحدين‏.‏واقترن بذلك وصول حسون بن محمد بن حسون المكناسي من صنائع السلطان‏.‏كان أوفده مع ابن عثيمن على مراسلة الأمير أبي البقاء خالد صاحب بجاية في صلب الأسطول أيضاً فرجعوه بالمعاذير‏.‏وأوفدوا معه عبد الحق بن سليمان فتلقاهم السلطان بالمبرة‏.‏وأوعز إلى عامره بوهران أن يستبلغ في تكريم عمرة الأسطول فجرى في ذلك على مذهبه‏.‏وانقلبوا جميعاً أحسن منقلب‏.‏ وغني السلطان عن أسطولهم لفوات وقت الحاجة إليه من منازلة بلاد السواحل إذ كان قد تملكها أيام مماطلتهم بيعته‏.‏واتصل الخبر بصاحب تلمسان الأمير أبي زيان بن عثمان المبايع أيام الحصار عند مهلك أبيه عثمان بن يغمراسن آخر سنة ثلاث فبلغه صنع الموحدين في موالاتهم عدوهم السلطان يوسف بن يعقوب ومظاهرته بأساطيلهم عليه فأسفه ذلك وأخرس منابرهم عما كانت تنطق به من الدعاء من عهد يغمراسن فلم يراجع دعوتهم من بعد‏.‏ وهلك السلطان على تفيئة ذلك‏.‏ والبقاء لله وحده‏.‏